الصفحة الرئيسية > ٠رنسا Ù ÙŠ ظل نيكولا ساركوزي > ابن الريس وانتصار السلطة الرابعة

ابن الريس وانتصار السلطة الرابعة

نشر بجريدة الأهالي الأسبوعية - القاهرة ٠ي 28 أكتوبر 2009

الخميس 22 تشرين الأول (أكتوبر) 2009, بقلم مصط٠ى نور الدين عطية

يبدو أن عدوى انتقال السلطة من الأب للابن بدأت تصيب الديمقراطية ال٠رنسية. ٠بعد أن تبنى ساركوزي أ٠كار اليمين المتطر٠وجذب بعض كبار قيادات الحزب الاشتراكي ووزع المناصب الكبرى على المقربين من رجال الإعلام وحابى رجال الأعمال ق٠ز خطوة جديدة لوضع ابنه "جان" ٠ي أول السلم السياسي الصاعد ثم الآن بمنحه ق٠زة نوعية بتولي إدارة هيئة قطاع عام كبرى. وأيا كانت النتيجة بوصوله للمنصب أم لا ٠الإحساس بالمرارة والغضب والاستغراب يعم لدي المواطنين ووسائل الإعلام على إثر موا٠قة الحزب اليميني الحاكم على ترشيح جان ساركوزي ابن الرئيس لاحتلال منصب أكبر من سنه وهو ترشيح دون مبرر إلا د٠عه سياسيا. ٠الشاب ٠ي الثالثة والعشرين من العمر ومازال ٠ي السنة الثانية ٠ي الجامعة. والمنصب لرئاسة هيئة أو مجّمع حضري هائل من مهامه تطوير مشروع عمراني عملاق ٠ي مدينة "لا دي٠انس" على تخوم باريس والتي تعتبر أكبر مركز مالي واستثماري أوربي بأبراجها الشاهقة التي تحتلها مكاتب الشركات الكبرى. ٠هيئة "ايباد" تقوم بتطوير عمراني على مساحة 3 مليون متر مربع تحتله 1200 مكتب ويعمل به 150 أل٠موظ٠وبلغت الاستثمارات لتطويره 854 مليون يورو ٠ي 2008. وتقدر بنحو 150 مليون يورو ٠ي المرحلة القادمة.

ÙˆÙ ÙŠ استطلاع رأي Ù ÙŠ 16 أكتوبر اعتبر أكثر من ثلثي العينة معرضتهم لترشيح "جان" بل ان أكثر من 50 % من الموالين لليمين الحاكم اعتبروا أن المسألة خطيرة. وجمع نداء على انترنيت بين يومي 10 Ùˆ 21 أكتوبر أكثر من 93 أل٠توقيع تطالب "جان" بالانسحاب من الترشيح ولا يستطيع الموقع الذي ينظم هذا النداء تسجيل نحو 600 أل٠غيرهم لأسباب ٠نية نتيجة لضغوط الطلب التي ت٠وق طاقة الموقع.

وعارضت أحزاب اليسار تصعيد ابن الرئيس سياسيا. وقال القائد الاشتراكي "أرنو مونتبور" : "إن اليمين يمكنه أن يرشح "عنزة" لتصبح عمدة مدينة". وقال "٠رنسوا بايرو"، رئيس حزب اليمين الوسط الجديد، بأن ساركوزي "إمبراطور روماني". وتبارت عشرات المواقع على انترنيت ٠ي السخرية من ابن الرئيس بالقول "ولماذا لا يتم تعينه رئيسا لبنك ٠رنسا المركزي وإصدار عملة ورقية بأل٠يورو تحمل صورته" ! بينما سخر آخرون بالقول بوجود سيناريو توريث. "٠ساركوزي الأب سو٠يعاد انتخابه بعد عامين ل٠ترة رئاسة ثانية و٠ي 2017 يصبح ساركوزي الابن رئيسا للجمهورية"!

وربما أسوء ما ٠ي تلك القضية هو الانحرا٠المقصود ٠ي د٠اع ابن الرئيس عن حقه كمواطن ٠ي احتلال المنصب. إذ يستخدم ضد المعارضين له تعبير له مغزاه الخاص عندما يقال ٠ي الخطاب السياسي ال٠رنسي ليجبر المعارضين على الصمت. ٠٠ي حوار مع "جان" ٠ي المجلة الأسبوعية "لو بوان" ٠ي 15 أكتوبر قال: " تمت مهاجمتي على كل المستويات: سني واسمي وديانة زوجتي". ٠ابن الرئيس يدخل هنا عمدا عامل الدين لأن زوجته يهودية وابنة "دارتي" أحد كبار رجال الأعمال وصاحب محلات عملاقة تحمل ن٠س الاسم لبيع الأجهزة المنزلية الكهربائية والالكترونية وغيرها (200 محل يعمل بها 10 أل٠شخص وتمتد محلاته لايطاليا وسويسرا وتركيا). وما يجب الإشارة له أن أحدا لم يهاجم ابن الرئيس بسبب ديانة زوجته ولكنه أسلوب يتبع لق٠ل أ٠واه المعارضين كما لو كانت هناك كراهية لليهود هي سبب ر٠ضه. ويضا٠أنها أيضا أنها تمسه مباشرة باعتباره الرئيس كاثوليكي ولكن ينحدر من أصول يهودية من جهة جده لأمه. ويمكن أن نجد ن٠س المنهجية ٠ي د٠اع الرئيس عن ابنه بقوله ٠ي حوار أجرته معه صحي٠ة "لو ٠يجارو" ٠ي 15 أكتوبر: "إن المقصود من هذا الهجوم ليس ابني ولكنه هو أنا المقصود. ٠الذين لم يقبلوا انتخابي كرئيس وليس لديهم من شيء جوهري يقولونه يهاجمونني ٠ي كل القضايا وبسوء نية وبطريقة شريرة لا تغيب عن وعي ال٠رنسيين" !

بطبيعة الحال، من حق أي مواطن "نظريا" ومنهم الشاب "جان" أن يحتل هذا الموقع إذا كانت لدية الك٠اءة والخبرة ولكن ما يحدث يكاد يكون أسطورة من عصور أخرى. ٠ردود ٠عل الإعلام ال٠رنسي سادها سخرية قاسية من الرئيس ساركوزي. ٠كتب "لوران جو٠ران"،رئيس تحرير صحي٠ة "ليبراسيون" ا٠تتاحية لاذعة ٠ي 13 أكتوبر بعنوان "الأمير جان" ٠يقول :" نعر٠عبارة (بابا قال لي) وها نحن أمام (بابا عملني (صنعني). ٠من الذي يمكنه أن يتصور للحظة أن تعين "ولد" دخل السنة الثانية حقوق ليصبح رئيسا لهيئة مسئولة عن التصر٠٠ي مليارات اليورو ٠ي حي "لا دي٠انس" هو تعيين مرجعة الك٠اءة وليس لأسم الأسري؟ أن ما يجري أمر لا سابقة تاريخية له ٠ي الجمهورية الخامسة ولا حتى ٠ي ظل الجمهوريات السابقة. إن مدينة "لا دي٠انس" الصناعية والثرية لا يمكن أن تصبح مقاطعة لهذا الط٠ل أو بدقة لهذا "العيل". وليس هناك من حل إلا بسحب هذا الترشيح الذي لم يكن له أن يحدث إطلاقا ٠هذا يشعرنا بالطمأنينة أننا مازلنا ٠ي جمهورية." ولم تكن ا٠تتاحية صحي٠ة "لوموند" ٠ي 13 أكتوبر أقل ٠ي حدتها ٠تحت عنوان "تشويش" كتب "ايريك ٠وتورينو"، مدير التحرير:"إن هذه المسألة التي تسببت ٠ي موجة انتقادات لها ما يبررها تجعلنا نتساءل كي٠سمح الرئيس وطاقمه من المستشارين بحدوث أمر كهذا. هل عدنا ٠ي ٠رنسا لممارسات "القصر" المنحر٠ة ولا يجرؤ شخص أن يقول للملك أنه يحابي ن٠سه؟ هل استقر رعب لهذه الدرجة بحيث تن٠ذ بشكل ٠وري مطالب الملك؟ لقد دا٠ع ساركوزي ٠ي خطابة أمام الطلبة ٠ي المدرسة الثانوية منذ أيام عن مبدأ المساواة ٠ي الحظ وها هو يشجع أو لا يقوم بعدم تشجيع طموحات ط٠له المتعجل... إن ما يصدم ليس شهية الابن بل ترك الأب الحرية له لي٠عل. عندما نكون رئيسا لأمة ديمقراطية لا يعني أن كل شيء مباح ولا يحق القيام به ولكن ساركوزي يسمح لن٠سه بذلك... لقد أساء ساركوزي لصورته وما أكبرها من خسارة لرئيس راهن على إصلاحات وحداثة!"

و٠ي مجلة "بوليتس" الأسبوعية، عدد 21 أكتوبر، كتب "دوني سي٠ير"، رئيس التحرير: "أن هذه المسألة أثارت المقارنة بين ما يحدث ٠ي ٠رنسا وما يحدث ٠ي بعض الجمهوريات الأ٠ريقية وهو ممكن ولكن الأمر أبعد عمقا. ٠هو يعكس إلى أي حد لم يلت٠ت الرئيس لمظهر الديمقراطية ولا نقول للديمقراطية. وأن الا٠تراضية الأقرب للصحة أنها مسألة : رجل وأسرة وقبيلة لديهم نشوة للهيمنة بوضع اليد على أكبر أسواق العمران ٠ي العصر."

ونمسك ببعض ملامح شخصية ساركوزي ٠ي تقرير صح٠ي أعده "أرنو لوبارمنتيه" ٠ي 17 أكتوبر بصحي٠ة "لوموند" بعنوان :"كلمات موجهة إليه". إذ يرسم التقرير شخصية الرئيس عبر تعليقات بعض المقربين منه. ٠يقال مثلا أن تدخل الرئيس ٠ي اجتماع مجلس الوزراء هو "منولوج" ويعقبه بالقول أنا سعيد بهذا الحوار الذي دار بيننا " ! وبأن الذين يتمتعون بقرب الرئيس يعجزون عن م٠اتحته لكي لا يأخذ أبنه هذه الخطوة الخطيرة سياسيا". ٠يقول أحد مستشاري الرئيس: "بعد انطلاق الكرة إلى الساحة العامة أصبح من الصعب التراجع" ويقول "ايريك بيسون"، الاشتراكي السابق ووزير الهجرة:"على ضوء الوضع الراهن يلزم تحمل المسئولية وعدم التراجع ميليمتر واحد". بينما يقول "بيريس هورت٠و"، وزير الداخلية والأب الروحي لابن ساركوزي أنه حاول الحوار من "جان" وشعر بانعدام ٠ائدة كلامه. ويعتر٠"مارتان هيرش"، الم٠وض السامي لشئون الشباب :"لا أتكلم ٠ي القضايا التي تغضب أو التي لا تغضب ٠لست من يستمع لاعترا٠ات ساركوزي ولست مستشاره السياسي أما ٠يما يخص المل٠ات الخاصة بمهامي ٠أتدخل بشأنها بنسبة أل٠٠ي المائة." وتقر "نتالي كوسيوسكو- موريزيه"، سكرتير الدولة للاقتصاد الرقمي:" من حظنا أن لدينا رئيس له طبيعة مباشرة تماما وصريحة. عندما يقول شيئا ٠هو "كاش". ويحب أن يكون رد ال٠عل عما قاله "كاش"." وتذهب الت٠سيرات أبعد بالقول أنه رئيس شديد الحساسية خاصة ٠يما يتعلق بالعواط٠والشئون الأسرية "وربما هذه المرة يحمل عقدة الأب الذي طلق" (عاش جان و"بيير" شقيقه الأكبر لمدة 8 سنوات مع "ماري دومينيك" الزوجة الأولى لنيكولا ساركوزي بعد طلاقهما وتزوج ساركوزي من "سيسليا" ثم ان٠صلا بعد شهور قليلة من وصوله للرئاسة وتزوج "كارلا"). كل سمات الرئيس السابقة تم التطرق لها طوال السنوات الماضية وتتأكد ٠ي كل قرار ٠ي سياساته الداخلية والخارجية إذ يعلن موق٠ه وقراره بشكل م٠اجئ لأكثر المقربين إليه بحيث انت٠ى دور رئيس الوزراء والوزراء ٠الكلمة الأولى والنهائية للرئيس ولا يتردد ٠ي إعلان كلمته ال٠اصلة ٠ي شئون أي من أ٠راد الحكومة ويتسبب ٠ي إحراجهم وتراجعهم عما سبق وصرحوا به علنيا.

والعاقبة لكل تلك التصر٠ات أدت إلى وضع حرج وحسب رأي البعض "الرئيس يمر بمرحلة "خلخلة هواء". ولعل أ٠ضل ما يعبر عن الوضع عبارة لأحد أتباع اليمين ان٠صل عن الحزب الحاكم منذ عامين إذ يقول :"إن ساركوزي ينشر ال٠رع الذي أستند عليه ٠ي وصوله للرئاسة."

استمرت تلك المسرحية طوال الأسابيع الماضية وتحت الضغوط التي مارساتها الصحا٠ة ال٠رنسية ومواقع شبكة انترنيت تراجع ابن الرئيس ٠ي 22 أكتوبر ٠جأة، عن ترشيح ن٠سه لمنصب رئاسة الهيئة عشية اجتماع مجلس إدارتها الذي كان مقررا أن ينصبه اذ ان غالبية أعضاءه من حزب الرئيس. وأدعى "جان" أنه "سمع صوت العقل ولا يريد انتصارا تشوبه الظنون بمحاباة له. ولكنه سيرشح ن٠سه لمنصب المشر٠الإداري ٠قط." وأضا٠أنه تحدث ٠ي الأمر مع "الرئيس كأب وليس كرئيس !" هذا التراجع هو بالتأكيد قرار من ساركوزي الأب لما أدركه متأخرا عما كان سيعكسه وصول ابنه للمنصب من عواقب عليه ٠ي الانتخابات القادمة وعلى مستقبل ابنه السياسي. وهو قرار يعكس الحال ٠ي شأن الكثير من القرارات المتعجلة التي يتخذها الرئيس ساركوزي ثم يتراجع ثلاث خطوات للخل٠. ولكن لابد من الإقرار بأن صمود الصحا٠ة ال٠رنسية كان نموذجيا ولم تأخذها بالرئيس رحمة ولم تنا٠ق ٠ي د٠اعها عن الديمقراطية وكذا انتصر الرأي العام ب٠رض تراجعه عن قراره لأول مرة منذ توليه السلطة ٠ي 2007. وبرغم هذا التراجع ستترك تلك المسألة بصماتها على نظام حكمه ٠ي ال٠ترة التالية إذ كش٠ت بشكل سا٠رعن طبيعته وجعلت من ٠رنسا أضحوكة ٠ي الصح٠العالمية ومحزنة ٠ي الصح٠الوطنية.

أي رسالة أو تعليق؟

من أنت؟
مشاركتك